الشيخ محمد الصادقي

447

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

الكثير في زعمنا ! ولكن أين علم من علم ! علم سابق شامل ، وعلم لاحق جاهل ، فمهما علمنا أشياء ، نجهل آلاف الأضعاف أشياء ! علم ذاتي جوهري ، وعلم عارضي ، علم لا يخالطه جهل ، وعلم أكثره جهل ، علم حادث يزول ، وعلم أزلي لا يزول ؛ ما يحق أن يقال : علم مطلق وجاه جهل مطلق ! ولكن اللّه يمن علينا إذ يصفنا بصفة العلم ، ثم يفضل نفسه علينا فيه كما في سواه ، رغم التباين الكلي بين صفاته وصفاتنا ، كما وبين ذاته وذواتنا ! فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى « هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » توحي أن التقوى هي السبب الوحيد للتزكية الحقيقية ، والإنسان المنشأ من الأرض بطبعه يميل ويثّاقل إليها إلّا من هداه اللّه واهتدى وسلك سبيل التقوى ، وجانب وبيل الطغوي فلأنه « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ » بكونكم وكيانكم كما أنتم « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » : ادعاء أنني بريء من وصمات الطغوى ، ومليء بسمات التقوى . والتزكية ، وهي التحرّي عما فيه التطهير عن الأدناس الخلقية والعقائدية والعملية ، إنها كما تنسب إلى العبد ، كذلك إلى اللّه وإلى رسل اللّه الحاملين رسالات اللّه ببلاغات التزكية للمرسل إليهم ، وسواء في ذلك القول أو العمل والسعي ، إن كان في الدنيا أم في الآخرة . فالتزكية العملية في نطاق التأييد والتوفيق دنيا ، وفي التكفير عن السيئات دنيا وعقبى ، إنها خاصة باللّه تعالى شأنه ، وكما أن القولية منها شهادة على النزاهة الصادقة ، ولا تعتبر الّا منه أو بوحي منه ، فإن المكلف قد يجهل أخطاءه العامدة منها أو الساهية ، فلا يحق له اعتبار نفسه مزكيّ إلّا بشهادة اللّه : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا » ( 4 : 49 ) .